"ما تلك الكتلة المشتعلة؟"
"ما تلك الكتلة المشتعلة؟" طالما تساءلت عن معنى هذا الضوء الذي يبث الحرارة والدفء لنا وبما أنني من بلد حار فقد ازدادت تساؤلاتي عن معنى الشمس هذه الكتلة المشتعلة التي ندور حولها،
ما هي؟ وبماذا اتخذها الفلاسفة وما معناها في اللوحات القديمة التي لطالما رأيتها؟ حسنًا من أين أبدأ؟
• الشمس وماهيتها الحقيقية:
حسنًا لابد وأنكم قد سمعتم من قبل بأن الشمس هي في الواقع نجم، ويقدر عمرها بـ 4.6 مليار سنة،
كيف يتكون النجم إذن؟
يتكون النجم من سحب ضخمة من الغاز والغبار الكوني والذي أغلبها يكون هيدروجين مع بعض الهيليوم، تعرف هذه السحب أيضًا بحاضنات النجوم يا له "من اسم حنون"
وأيضًا ندعوها نحن بالسديم،
دعني أعود لما كنت أشرحه، هذه السحابة تحت تأثير الجاذبية، تبدأ أجزاء منها بالانكماش والانهيار، مع الانهيار تزداد الكثافة والحرارة في المركز وتتكون مناطق عالية الكثافة تسمى نوى أولية
والذي هو "النجم الأولي".
كيف يستمر النجم؟ يستمر من خلال اندماجات نووية تحصل فيه وهذه الاندماجات ما تجعله يتوهج، النجم في هذه المرحلة لم يبدأ بعد بالاندماج النووي. والحرارة ترتفع بفعل الضغط الهائل الذي يحصل للنجم، ويحيط بالنجم بعدها غلاف أولي من الغاز والغبار "قد يشكل هذا الغبار كواكب أو أقراص كوكبية لاحقًا".
وفي بداية الاندماج النووي عندما تصل الحرارة في المركز إلى نحو 10 ملايين كلفن، تبدأ نوى الهيدروجين بالاندماج لتكوين الهيليوم،
وهذا ما يطلق كميات هائلة من الطاقة (ضوء + حرارة).
عند هذه اللحظة سوف نهلل ونقول بأن النجم قد ولد رسميًا ونور الدنيا،
النجم يدخل بعدها إلى مرحلة "التسلسل الرئيسي" حيث هناك توازن بين الجاذبية التي تحاول سحبه للداخل وضغط الطاقة النووية الذي يدفع للخارج (هذه هي أطول مرحلة في حياة النجم وهي ما يمر بها شمسنا الآن). وعندما تنتهي المكونات التي تسمح له بالاندماج ولا يبقى سوى الحديد الذي يحتاج لطاقة هائلة وجبارة لكي يندمج، والنجم المسكين لا يستطيع أن يوفرها، فينهار النجم بفعل الجاذبية ويتحول إلى تلك السحب التي ذكرتها في البداية "فموت نجم لا يعني أنه مُحي من الوجود نهائيًا بل يعني أنه أتاح فرصة لنجوم أخرى للظهور".
• الشمس والنور من عين فلسفية:
• أفلاطون
يشرح عن "طفل الخير" [1]:169 (باليونانية القديمة: "έκγονός τε τοῦ ἀγαθοῦ"). يكشف سقراط أن "طفل الخير" هذا هو الشمس، مقترحًا أنه كما تُنير الشمس، مانحةً للأشياء القدرة على الرؤية والظهور بالعين [1]:169 بنورها، فإن فكرة الخير تُنير العقول بالحقيقة. وبينما يطرح التشبيه نظريات معرفية ووجودية، إلا أن هناك جدلًا حول ما إذا كانت هذه النظريات أكثر أصالةً لتعاليم سقراط أم لتفسيراتها اللاحقة لأفلاطون.
يمكن تفسير استخدام أفلاطون لمثل هذا التشبيه لأسباب عديدة ومختلفة في الفلسفة. على سبيل المثال، يستخدمه أفلاطون لتوضيح حججه وإيضاحها. في تشبيه الشمس، يقارن سقراط "الخير" بالشمس. ربما يستخدم أفلاطون صورة الشمس لإضفاء الحيوية على حججه أو لجعلها أكثر وضوحًا.
الشيء الثالث الذي يتحدث عنه أفلاطون هو الضوء (النور). من خلال هذا التشبيه، يساوي ما يمنحنا الضوء الطبيعي، الشمس، كمصدر للخير في هذا العالم. أن الخير يقف في عالم المعقولات التي يمكن أن نتصورها بالنسبة للذكاء والأشياء التي نعرفها، كذلك تقف الشمس في عالم المرئيات بالنسبة للبصر والأشياء التي نراها. "الجمهورية السادسة (508ج) [1]:171".
حسنًا، إليك كيف يمكنك التفكير في العقل أيضًا. عندما يكون ما تركز عليه شيئًا مُضاءً بالحقيقة والواقع، فإنه يمتلك - وبالطبع يمتلك - وعيًا ومعرفةً ذكيين. أما عندما يكون ما تركز عليه موضوعه مشبعًا بالظلام (أي عندما يكون موضوعه شيئًا قابلًا للتطور والانحلال)، فإنه يمتلك معتقدات ويكون أقل فعالية، لأن معتقداته تتبدل وتتغير، وفي هذه الظروف يبدو خاليًا من ناحية الذكاء. "الجمهورية السادسة (508د) [1]:171".
وبالمثل، يقول سقراط: كما تُنير الشمس المرئيات بنورها، فإن فكرة الخير تُنير المعقولات بالحقيقة، مما يُمكّن الناس من امتلاك المعرفة. وكما أن قدرة العين على الرؤية تُصبح ممكنة بنور الشمس، فإن قدرة الروح على المعرفة تُصبح ممكنة بحقيقة الخير.
افهم إذن أن الأمر كذلك مع النفس، هكذا: عندما تستقر في تلك المنطقة التي تشرق فيها الحقيقة والوجود الحقيقي، تفهم ذلك وتعرفه، ويبدو أنها تملك عقلًا وتستطيع تفسير ما تراه؛ ولكن عندما لا تجد ما تستقر عليه إلا ما يختلط بالظلام والسواد - ما يصير ويفنى - فإنها تبدي رأيها، وتفقد بصرها. فعندما تكون لا ترى الشيء الذي يجوب أمامك فإنك لن تكون واثقًا من ماهيته فستقول: هذا كلب. لا، إنه قطة. انتظر... أظنه عصفور، وتتغير آراؤها صعودًا وهبوطًا، وتبدو كشيء بلا عقل. "الجمهورية، المجلد السادس (508د)[3]".
يواصل سقراط شرحه قائلًا إنه على الرغم من أن الضوء والبصر يشبهان الشمس، إلا أنهما لا يستطيعان التماهي معها. وكما أن الشمس أعلى مرتبة من الضوء والبصر، فإن... وكما أن الشمس أعلى منزلة من الضوء والبصر، كذلك يُقدَّر الخير أعلى منزلة من المعرفة والحقيقة. الخير هو ما يُتيح لنا معرفة الحقيقة ويُمكِّننا من امتلاك المعرفة كما يمكننا النور من معرفة الأشياء والمعرفة بها. لذا، فإن الخير أثمن من الحقيقة والمعرفة، إذ يحتل مكانة أعلى.
من خلال هذا التشبيه، ساعد سقراط غلوكون على إدراك أن الخير لا يُقدَّر بثمن، فهو مصدر المعرفة والحقيقة، وهو أيضًا أثمن وأبعد من كليهما. [1]:171
يوضح سقراط أيضًا أن الشمس لا تُرى، وبالتالي لا يُمكن معرفتها بالإدراك الحسي وحده. وحتى اليوم، لا يزال البشر يستخدمون مختلف أنواع النماذج الرياضية، وفيزياء القياسات الكهرومغناطيسية، والاستنتاجات، والمنطق لمعرفة وفهم الشمس الحقيقية ككائنٍ آسر. فالكائن الحقيقي يبقى دائمًا بعيدًا عن أقوالنا وأفكارنا وقياساتنا. في الواقع، لا يُمكننا أبدًا النظر إلى الشمس ومعرفتها بالكامل فسوف تحرق عينيك ):. كما شبه أفلاطون الشمس بالشكل النهائي للخير من خلال تسميتهما كلاهما كمصدرين "للتوليد". [1]:171
ضوء الشمس لا يجعل الأشياء مرئية فحسب، بل هو ضروري لنموها وازدهارها، على نحو مماثل لكيفية جعل الخير ليس فقط من الممكن معرفة الأشياء، بل يسمح أيضًا للأشياء أن تكون هي نفسها من دون أن تحسبها قطة أو عصفور....
• الشمس والنور على ريشة رسام:
النور في عصور كانت تتجرد منه، فقديمًا لم يكن هناك مصابيح كهربائية تنير الأرجاء، فأغلب الفنانون كانوا يقضون على الظلام من خلال شمعة أو من خلال الفحم والنار.
في مثل تلك العصور كان يستخدم النور لوصف أشياء طاهرة فالنور كان يرتبط بالخير وبين الصراع الأبدي بين الخير والشر، فالخير يرمز له بالنور والشر بالظلام، فكانوا يرسمون ليوضحوا القدسية هالة مضيئة تنير الصالحين.
وكانوا يطورون ويخترعون تقنيات جديدة لاستعماله وإبرازه: من استعماله في الطبيعة، واستعماله لإبراز الشرير من الجيد، أو استعماله لإيضاح أشياء، وأيضًا قد استُعملت الشمس لتمثيل فكرة البدايات الجديدة، فالشمس تختفي ويقل وهجها في الليل لتعود مضيئة وتبعث الدفء في الصبح. مثل عمل "جسر ووترلو" للرسام مونيه، و"العشاء الأخير" لدا فينشي..
هذه الكتلة الملتهبة في السماء قد شغلت تفكير عصور وحضارات، محاولةً منهم فقط لتفسيرها وفهمها، منهم من اعتبرها رمزًا وتحفيزًا لبداية جديدة وقد استُعملت للإشارة للخير وللقداسة، ومع هذه الرحلة الطويلة لمجرد فهمها،
ما زالت هذه الكتلة العائمة في الفضاء تبعث لنا الدفء وتنير أرضنا العزيزة..لذالك لن تسئل مرة اخر وتقول
“ما تلك الكتلة المشتعلة؟ “
أتمنى أنكم استفدتم شيئًا من هذا.
شكرًا للقراءة.




