هل الخوفُ لعنةٌ؟ ولماذا نخاف؟
الخوفُ هو استجابةٌ لمؤثرٍ خارجي، مثله كمثل بقية المشاعر والأحاسيس التي نخوضها نحن، لكن لماذا الخوف؟ ما فائدة أنْ نخاف؟ فهو يعيقني عن التقدم خوفًا من المجهول، ويقمع حسي المغامر خوفًا من أنْ أتأذى، ويمنعني أنْ أشارك إجابتي الصحيحة خوفًا من أنْ أكون خاطئةً بشأنها.
فلماذا وُجد؟
أولاً، لا شيءَ يوجد في جسم الإنسان أو عقله يكون بلا فائدة أو يتسبب في ضرر، فكل أجزاء الجسم تساهم في شيء واحد وتعمل عليه بأقصى جهد ممكن وهو إبقاؤك على قيد الحياة، فالخوف هو شيء ينبهك من المجهول، تخيل نفسك أمام أسد يحاول أن ينقض عليك، تصرف الإنسان الذي يمتلك مشاعر الخوف هو الهروب من المكان، وتصرف من لا يمتلك هذه الأحاسيس هو أن يقترب من الأسد ويحاول مداعبته ليَلقى حتفه هناك.
فكيف نخاف إذن؟ كيف نستطيع الشعور بهذا الشيء؟
الشكر كله لدماغك فهو المسؤول عن شعورك بهذا الشيء، فالخوف هو استجابة لخطر وشيك يُهيئ الشخص للقيام باستجابات دفاعية مناسبة، سواءً بالتجميد أو الكر أو الفرار إلى بر الأمان. أثبتت الدراسات أن اللوزة الدماغية لها دور رئيسي في الدوائر التي تُعالج الخوف، وأدت إلى نموذج يُنتج فيه تعلم الخوف من التعزيز طويل الأمد للمدخلات التي تنقل معلومات حول المنبه الشرطي إلى اللوزة الدماغية. فاللوزة الدماغية هي المسؤولة بشكل تخصصي أكثر عن المشاعر، ومشاعر الخوف هي من ضمنها.
ماذا سوف يحدث إذا فقدتَ هذا الشعور؟
إذا كان الشخص لا يمتلك هذا الشعور فهو مصاب باضطراب معروف في الوسط الإجرامي وهو اضطراب "الشخصية السايكوباثية"، يكون لدى من يصاب بهذا الاضطراب ضمور في اللوزة الدماغية فلا يشعرون بمشاعر الخوف، وهو معروف في الوسط الإجرامي لأن الشخص حين لا يخاف يرتكب أي شيء، فلا يوجد شيء يمنعه من قتل شخص أساء إليه، فلا يوجد ما يخيفه أو يعيقه عن هذا الفعل ولا عن أي فعل خطير أيضًا، هذا الاضطراب قد يكون وراثيًا منذ الولادة أو يكون بسبب البيئة المحيطة في مرحلة الطفولة، أغلب المجرمين أو السفاحين يمتازون بهذا الاضطراب، فهو يحجب أي إحساس أو تعاطف تجاه الضحية، المصابون بهذا الاضطراب ليسوا قليلين ويُعدون على الأصابع فهم كثيرون جدًا ومنتشرون بكل بقاع العالم ومن يدري قد تكون تعرف شخصًا مصابًا بهذا الاضطراب، فالتعرف عليهم هو صعب جدًا حتى على المختصين.
من الممكن أن يكون الخوف قاتلاً أيضًا.
كيف يحدث ذلك؟
عندما نتكلم عن الخوف سوف يظهر لنا القلق كشيء ملاصق له فهما عاطفتان تكيفيتان وثيقتا الصلة من الناحية التطورية، تُختبران استجابةً لتهديد قريب ووشيك حذر تكيفي وأحيانًا حاسم للبقاء على قيد الحياة متورط أيضًا بشكل مركزي في الحالات السريرية مثل القلق واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) واضطراب الوسواس القهري. في هذه الحالات، يكون التنشيط عادةً أكثر استدامة وغير متناسب مع التهديد الفعلي، مما يؤدي إلى مشاعر مزمنة من الخوف وسلوك تجنب شامل يتعارض مع الأداء اليومي والإثارة الفسيولوجية المتوترة التي تؤدي إلى التآكل البيولوجي المتراكم. ونظرًا للعبء الفردي والمجتمعي الهائل الذي تفرضه تلك الظروف، فبعد تجربة حادث محاولة اختطاف مثلاً، قد يشعر المرء بالقلق من حركة الناس حوله، ويتعرق يديه ويتسارع قلبه بمجرد التفكير في أن أحدهم قد يختطفه ويؤذيه من جديد، ويُظهر حذرًا شديدًا عند الاقتراب من أي شخص قد يبدو له كأنه تهديد. هذا هو الخوف والقلق في آنٍ واحد، يُفعّل آلية دفاعية محفوظة تطوريًا للاستعداد لاحتمال وقوع (أو تكرار) خطر. وهذا قد يجعل منك شخصًا خائفًا طوال الوقت ولا يستطيع إنجاز أبسط مهام حياته من دون الشعور بالتهديد.
وحين نتكلم عن الخوف وآثاره التي لا تغيب لا يسعني عدم ذكر المحاربين الناجين من الحروب العالمية، فينتج عنهم أشخاص قلقين خائفين من كل شيء، كل شيء يبدو كتهديد لحياتهم وحياة من حولهم، فمنهم من يفقد كل من عرفه في هذه الحروب الطويلة التي لا ينتج منها سوى عاهة مستديمة ترافق كلاً من الأرض والبشرية.

خوفك هو شيء خلق ليحميك لكن لا تدعه يتجاوز هذا
ليؤذيك. الخوف شعور يقف في صالحك لا ضدك في أكثر الأحيان لكن في أحيان أخرى يصبح عدوًا يفسد حياتك ويستنزف روحك معه، هو نعمة لنا ولعنه بنفس الوقت.
إلى اللقاء.
المصادرالمصادر
https://en.wikipedia.org/wiki/The_Face_of_War
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6993823/
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/36811021/
https://www.resocjalizacjapolska.pl/index.php/rp/article/view/358

