"حين تغيب الشمس، وفي عتمت اليل"
لماذا تكثر الجرائم في الظلام؟ ما الذي يجعل الإنسان يخطط دوماً لارتكاب الأخطاء في عتمة الليل؟
هل يبعث الظلام الاطمئنان إلى نفس المجرم؟
حسناً، كما يشعر الأطفال أنفسهم مخفيين حين يغمضون أعينهم بلعبة الغميضة، البالغون يشعرون بنفس الشيء في عتمة الليل والظلام، وحتى عند ارتداء شيء يحجب الوجه كالنظارة الشمسية المظللة، فهذا الظلام يشعرهم بعدم وجود رقيب عليهم، فهو يُحفز الاعتقاد بأننا في مأمن من انتباه الآخرين وتدقيقهم، فحين لا يعرفني الشخص المجاور ولا يراني لكي يلومني، لماذا سأخاف منه؟
قد يشجع الظلام على التجاوزات الأخلاقية؛ فكما كتب رالف والدو إيمرسون في مقالته "العبادة" ضمن كتابه "سلوك الحياة" (1860): "كما أن ضوء الغاز هو أفضل شرطي ليلي، كذلك يحمي الكون نفسه من خلال فضح نفسه بلا رحمة". تُظهر أبحاث جديدة نُشرت في مجلة "العلوم النفسية"، وهي مجلة تابعة لجمعية العلوم النفسية، أن الظلام قد يُثير أيضًا شعورًا نفسيًا بالوهم بعدم الكشف عن الهوية.
أجرى علماء النفس تشين-بو تشونغ، وفانيسا ك. بونز، وفرانشيسكا جينو ثلاث تجارب لاختبار ما إذا كان الظلام يُشجع على السلوكيات غير النزيهة والأنانية. في التجربة الأولى، وُضع المشاركون في غرفة ذات إضاءة خافتة أو جيدة، وتلقوا ظرفًا بنيًا يحتوي على 10 دولارات، بالإضافة إلى ظرف أبيض فارغ. طُلب منهم بعد ذلك إكمال ورقة عمل تحتوي على 20 مصفوفة، تتكون كل منها من 12 رقمًا مكونًا من ثلاثة أرقام. أُتيح للمشاركين خمس دقائق للعثور على رقمين في كل مصفوفة مجموعهما 10. ترك الباحثون للمشاركين حرية تقييم عملهم، وكان بإمكانهم الاحتفاظ بـ 0.50 دولار من المبلغ الذي بحوزتهم مقابل كل زوج من الأرقام التي تم تحديدها بشكل صحيح. في نهاية التجربة، طُلب من المشاركين وضع ما تبقى من أموالهم في الظرف الأبيض عند مغادرتهم. على الرغم من عدم وجود فرق في الأداء الفعلي، إلا أن المشاركين في الغرفة ذات الإضاءة الخافتة قليلًا غشوا أكثر، وبالتالي كسبوا أموالاً غير مستحقة أكثر من أولئك الموجودين في غرفة مضاءة جيدًا.
في التجربة الثانية، ارتدى بعض المشاركين نظارات شمسية، بينما ارتدى آخرون نظارات شفافة، وذلك أثناء تفاعلهم مع شخص غريب ظاهريًا في غرفة منفصلة (في الواقع، كان المشاركون يتفاعلون مع مُجري التجربة). كان لدى كل شخص 6 دولارات ليوزعها بينه وبين الشخص الآخر، وكان بإمكانه الاحتفاظ بما لم يُقدمه. أظهر المشاركون الذين ارتدوا النظارات الشمسية سلوكًا أنانيًا أكثر، حيث قدموا مبلغًا أقل بكثير من أولئك الذين ارتدوا النظارات الشفافة.
في التجربة الثالثة، كرر العلماء التجربة السابقة، ثم قاسوا مدى شعور المشاركين بالسرية أثناء التجربة. ومرة أخرى، تبرع من ارتدوا النظارات الشمسية بمبالغ أقل بكثير، كما أفادوا بأنهم شعروا بمزيد من السرية خلال الدراسة.
في التجارب الثلاث، لم يؤثر الظلام على إخفاء الهوية الفعلي، ومع ذلك فقد زاد من السلوكيات المشكوك في أخلاقيتها. يشير الباحثون إلى أن تجربة الظلام قد تُولّد شعورًا بإخفاء الهوية لا يتناسب مع إخفاء الهوية الفعلي في موقف معين. يوضح تشونغ قائلاً: "تخيل شخصًا بمفرده في غرفة مغلقة يُقرر ما إذا كان سيكذب على شخص غريب تمامًا في رسالة بريد إلكتروني. من الواضح أن إضاءة الغرفة من عدمها لن تؤثر على مستوى إخفاء الهوية الفعلي للشخص. ومع ذلك، قد يُبرر الظلام سلوكًا غير أخلاقي في مثل هذه المواقف."
فحين لا يوجد رقيب، لن يوجد شيء يردع المرء من هذه التجاوزات...
وكما أنه توجد تأثيرات نفسية على المجرم، فبنفس الطريقة توجد تأثيرات نفسية على الضحية، فالليل والظلام كما يبعثان شعور السرية فهما أيضًا يزيدان من القلق والخوف في قلب الضحية، وكما يقللان الإدراك البصري ويضعفان ردة الفعل، فالظلام ومع الأسف هي البيئة المثالية تقريبًا لارتكاب هذه التجاوزات...
عدم وجود رقيب هو السبب الأكبر لارتكاب الجريمة، فالحمد لله الذي عافانا من هذا وذكرنا بمدى قربه منا، فقد قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾
برغم ما في الظلام من وحشة، إلا أنه جو شاعري جدًا، مع القمر الذي يتوسط السماء والنجوم التي تزينه، إنه خطير وجميل في آنٍ واحد..
إلى اللقاء...
المصادر:
Darkness increases dishonest behavior, study shows
Night or darkness, which intensifies the feeling of fear?
Darkness Increases Dishonest Behavior

