ما قبل الانهيار
أسمع صدى يهمس باسمي، وهذا الصدى ينبع من أصداء الشارع، وأنا أقف في حديقتي مترقبةً له: متى يعود؟
ها قد عاد مجددًا...
هل أتبعه أم أتركه يذهب كما كل مرة؟
هل حقًا سوف أستطيع تجاهله والمضي قُدمًا؟
يبدو وكأنني لا أستطيع.
فتحت باب الشارع وبدأت ألحق بالصوت، فتارةً يقترب ليكون أمامي وتارةً يبتعد، وأنا لا أزال أبحث، فأزيد سرعة قدمي لأسبقه، وأجده.
لكن لا فائدة تُرجى، فها أنا من الركض منهكة ولم أصل بعد.
بدأت قدماي تتباطآن حتى أصبحت أمشي لا أركض.
ما الذي أفعله؟ يجب أن أعود.
سمعت الهمس مجددًا، وكان خلفي تمامًا.
هل أستدير لكي أرى أم أمضي قُدمًا؟
استدرت وكان الصوت يتباعد شيئًا فشيئًا، فرحت أركض خلفه أسرع وأسرع، لكن علا على صوت ندائه نباح كلب في الشارع.
حاولت تجاهل الكلب لكي أسمع، لكنه لم ينفك وهو يزيد صوته أعلى وأعلى.
استشطت غضبًا وأنا أحاول إسكاته، لكنه أبى.
حاولت أن أبتعد عنه لأسمع ولو قليلاً.
لكنني لم أسمع.
وكان نباحه يلاحقني في كل مكان، فمهما ابتعدت ركضًا عنه كان لا يزال صوت نباحه عاليًا جدًا.
ما الفائدة إذن؟ لماذا لا أذهب إليه؟
ذهبت إليه وبدأت أنظر إليه بثبات، فلم ترمش لي عين ولم أُحرك ساكنًا.
لكنه لم يكف نباحه فقط، إنه مزعج حقًا، أنا لا أستطيع الاحتمال أكثر.
يبدو وكأن الصدى قد اختفى أيضًا. سوف أعود إلى منزلي فلا شيء يُرجى هنا.
عدت إلى منزلي وحاولت أن أنام، إلا أن نباحه أرق مضجعي، سهد.. سهد.. سهد..
لم تُغفَ عيني طيلة الليل وأنا أستمع له ينبح، فخيل لي أنه سعيد بهذا النباح، حتى أنني تخيلته ينبح تحت شرفتي ويرقص فرحًا، مغتبطًا لأنني لم أنم لأنه جعلني هكذا.
أنا.... حقًا أشعر بالغضب.
تناولت بيدي مضربًا، وقبل إشراق الشمس بقليل ذهبت إليه.
إنه لا يزال ينبح.....
كيف لك أن تفعل هذا؟!
أجبني؟؟!
حملت المضرب وبدأت أضربه. مع كل ضربة كانت ابتسامتي تعلو أعلى وأعلى حتى وقعت من فرط الضحك على الأرض، وأكملت ضربه حتى اختفى صوت نباحه مع أول إشراق لضوء الشمس، فكانت الشمس أتت لتعزيه وتهنئني بانتصاري. عدت هانئة مغتبطة إلى بيتي، وأخيرًا راق لي النوم.
نمت فما أنا إلا فاتحة عيني على مصراعيهما.
لا يعقل، كيف لا يزال ينبح؟
كان صوت نباحه مدويًا أكثر من المرة السابقة، وكانه يقتلني شيئًا فشيئًا بنباحه، فخرجت إلى شرفتي لأُطل على مكانه لكني لم أجده. بدأت بجسدي أتلفت وأقرب نفسي من حافة الشرفة أكثر وأكثر، وكان الفراغ بات يحاوط أرضي لكي أجد نفسي أقع، أنا أقع؟! لكن لماذا لا أصرخ؟
لماذا أنا لا أشعر بشيء فقط.
هل سوف أموت؟
أغمضت جفني وإذ بي أفتحها وأنا على فراشي.
أذني تؤلمني، وضعت يدي عليها لكي أجد
أنها تقطر دمًا.
أخذت منديلاً وبدأت أمسح الدم عنها،
وأكثر ما أخافني حينها أنني ربما وبطريقة ما قد لا أسمع.
ربما يوماً سوف أستيقظ وأجد نفسي طَرشاء.
صفقت بأصابعي لكي أتأكد.
أنا أسمع.
اتجهت نحو الشرفة، نظرة للمكان الذي سقطت منه ونظرة لمكان الكلب.
كليهما يبدوان ضبابيين اليوم.
استحممت وخرجت لحديقة منزلي، وسمعت الصدى مجددًا لكن لم يكن مجرد صدى ونداء، أتاني هذه المرة على هيئة صياح عالٍ، العويل ملأ المكان وأذناي وكانهما تنفجران.
ماذا أفعل؟
عدوي غير معلوم الآن.
استمر الصياح طويلاً وأنا لم أعد أستطيع التحمل.
الضباب يتصاعد شيئًا فشيئًا، حتى ملأ أركان الحديقة كلها.
دخلت إلى منزلي مسرعة. حملت سدادات الاذان وبدأت احشوها بداخل اذناي علي لا أسمع.
لكن في كل مرة كان العويل يتصاعد أكثر وأكثر.
ومهما فعلت لا يتوقف.
ما حيلتي الآن؟
لم ألاحظ اهتزاز هاتفي حتى رأيته قد كان يهتز ويخرج صوتًا إلا أنني لم أسمعه.
قربته من أذني ورفعت الصوت إلى أعلى درجة لكنني لم أسمع شيئًا.
العويل لا يزال مستمرًا.
خرجت مسرعة لخارج منزلي لأرى عجوزًا واقفة أمامي تخاطبني وأنا لا أسمعها.
وقفت كالصنم المتجمد أمامها ولم يكن بوسعي إلا إغلاق الباب بوجهها.
إذن من أين يأتي هذا الصوت؟ هذا الصراخ المدوي أم منبعه من داخلي؟
هل أنا التي كنت أصدر تلك الأصوات طوال الوقت؟
غطا بيت الفتاة بالضباب،
فلم تستطع الفتاة إلا أن تفعل شيئًا واحدًا.
مشيت في ذلك الضباب الى ان اختفت صورتها وبقي الضباب فقط.
فكان الضباب كان سيد القصة منذ البداية
“انتهئ”
كتبت من قبلي

